الثلاثاء، 5 أبريل، 2016

قراءة د/عزة بدر في " نص ارتجالى " لقسمة كاتول

أسئلة الكتابة ولغة السرد

قراءة فى " نص ارتجالى " لقسمة كاتول
                                              د. عزة بدر

التجريب سمة أساسية من سمات هذه المجموعة القصصية , بدأ بالحكى عن تجربة ورشة للكتابة , عن الساردة التى تود أن تطبق عمليا كيف تكتب نصا متميزا , هل لأنها تحب الكتابة ؟ أم لأنها تريد اكتشاف ماحولها عن طريق مجسات الحروف والكلمات , وتتوالى الأسئلة داخل بنيان القصص لتجيب عن بعض أسئلة الكتابة وماهيتها , يمتد هذا الخيط الذى يصل القصص ببعضها فى محاولة الإجابة حيث تكتشف الساردة مغامرة الكتابة وتعثر على حكمتها الخاصة فتقول فى إحدى قصص المجموعة " تغمض العين التى هى ذاتها تقاوم الإغلاق محاولة الإجابة على السؤال .. لايهم بالضرورة الإجابة عنه .. الحياة مليئة بالأسئلة التى ليس لها إجابات , وبالضرورة لايعنينا البحث عن كل الإجابات فحتى الأسئلة عديمة الإجابات هى الأشهى " ( من قصة : بورشامة ص 47 ) 
تحاول المجموعة أن تضع قلم الساردة فى نار الكتابة فتصهره حينا , ويبترد بها حينا ففى قصة " كواليس كتابة " يبدو الأمر محاولة على سبيل التجربة لاكتشاف الذات فتتخبط اللغة فى اضطراب البحث عن محاولة التعبير عن الذات فتبدو أحيانا لغة مضطربة بين العامية والفصحى , بين مستويين من التعبير عن الذات بالتعبيرات السطحية من لغة المعاش اليومى من لغة التعامل وبين لغة متسقة جادة فى التعبير عن الذات والتى تدخل بها إلى قلب التجربة كى تلمس قلب الأشياء فتقول الساردة : " كان من المفترض أن أقول جملة عميقة تنم .. حلوة دى ؟ , ( من تعبيرات المعاش اليومى) .ثم تعود إلى لغتها الكاشفة الجادة المصفاة ( نعم تنم عن ذهنية كاتبة , أقصد مشروع كاتبة ) .
لأن الكتابة مساحة للولوج إلى الذات , ولأنها لها القدرة على التشافى والانفتاح على الآخر" ثم يتذبذب نسيج السرد بين هاتين اللغتين فيوحى باضطراب البحث عن هدف " ياااااااه .. لوكنت قلت الجملة دى جملة جاحدة والنيعمة " ! ( كواليس كتابة ص 11 )
ومع ذلك يستطيع القارىء أن يحصل على قلب تجربة ورشة الكتابة وهى حكاية القصة الأولى فى عبارات كاشفة : " ثمة فكرة تخلصت من ثقلها أنى يجب أن أكتب عن رؤى عملاقة , وأفكار تغير مسارات هذا الكوكب .. الضرورة لى أن أكون قادرة على العيش فى حالات تناغم لأنى أخوض ما أحبه , الكتابة فعل حرية .
وتبدو المغامرة هى جوهر هذه التجربة فى خوض عالم الكتابة فتقول الساردة : " ثمة تجارب فى الحياة ليس المهم نجاحها بل خوضها لأنها ستمنحنا فرصة اختبار جوانب فى ذواتنا لم يتسن اختبارها من قبل لذا أخوض التجربة .
سندريلا ترتدى حذاء رياضيا ( محاولة للتأويل ) :
تطرح الساردة تأويلا جديدا لقصة سندريلا : كيف لساحرة مدربة أن تعجز عن إيجاد حذاء هو أساس مخططها لمشروع الزواج الأسطورى بين فتاة من عامة الشعب وولى العهد , وقرة عين الملك والملكة والذى بقرار ابنهما الزواج من عامة الشعب يضمن إلهاء شعبه عن مباشرة حقوقه فى التظلم من السُخرة والاعتداء من قبل أمراء المملكة وحاشية الملك .
تضطرب اللغة هنا فلا تعبر عن جدة التأويل فتقول الساردة ص 33 : ( على سبيل الاستعباط لو سندريلا كانت لابسة حذاء رياضى مش هنقول جزمة عشان السياق , عشان تقلع الحذاء دا محتاجة وقت , عبال ماتفك الرباط وتقلعه شغلانة ) .
وعلى عكس المطلوب لاتنجح هذه اللغة فى كسر الحاجز بين القارىء والسارد باستخدام لغة اليومى المعاش لأنه تهيأ لجدة التأويل فخذلته لغة التعبير .
ومع ذلك تنجح خاتمة القصة فى إستعادة النص المضطرب بين اللغة الكاشفة الفصيحة ولهجة المعاش اليومى التى لم ترتفع إلى مستوى التجربة فتلجأ الساردة إلى لغة وسطى فينجح التعبير عن التأويل فى خاتمة القصة : " الجنية العرابة فى خضم تركيزها الشديد على سندريلا والأمير والحفل نسيت تحويل الحذاء إلى حذاء مخططها , ركضت سندريلا ورأتها الجنية العرابة : اخلعى الحذاء  , لم تخلع بل ركضت فى خط سباقها هى 
بورشامة "  محاولة لإصطفاء اللغة واللهجة :
فى قصة " بورشامة " تصف الساردة عالما غريبا لشخص يتصور عالمه كبيرا وواسعا وضخما وهو أضيق من ثقب إبرة وتنجح الساردة فى اصطفاء لغة معبرة ولهجة صادقة فى التعبير عن اليومى المعاش فى سياق مضفر متماسك تراوح بين المونولوج الداخلى والحوار مع الآخر .
كما استطاعت الساردة رسم أبعاد الشخصية الرئيسة فى القصة وتحليل أفكارها ومخاوفها وهواجسها من خلال لغة الساردة الواضحة الرؤية الدارسة للشخصية إذ تصف مشاعر بطل القصة وإحساسه بذاته : " تمدد الجسد بطوله على الفراش , شعور بالضخامة , انتشاء آخر , نشوة الضخامة أثارت رغبة فى الوقوف بالجسد لتحصيل النشوة كاملة , الجسد الممدد ليس كالجسد وقوفا , محاولات جدية فى إنزال الأقدام على أرضية الغرفة مع محاولة للتشبث بحافة السرير , , الاستناد والوقوف , يتطوح الجسد قليلا قبل الوقوف لكن ليس من الممكن للعمالقة أن تتطوح أجسادهم , هم يدبون على الأرض فتتطوح كل الأجساد الأخرى " .
هلاوس سارة ! :
وتنجح اللغة المصطفاة فى التعبير عن الإحساس الداخلى للشخصية الرئيسة ( العملاق الزائف ) وتفصح عن دواخلها ) : " السقف قريب جدا , قريب لدرجة أن رأسى ستصطدم بالسقف لذا يجب أن تلغى الأسقف حتى يتسنى للعملاقة أمثالى أن يرفعوا رؤوسهم ! " . ص47
" يد مرتخية ورأس ارتفعت , لم يعد بحاجة للتنكيس , ليس بالشارع سقف , فى الشوارع بشر للسماء مباشرة
عيون ترفع للسماء بكل ثقل أشيائها , تردد الشفاه السماء طيبة طيبة , تعود الرأس لوضعها الأفقى بالطبع دون تنكيس , ترفع اليد المرتخية محاولة التلويح للبشر والذين هم يردون التحية بأحسن منها " .
حيوية الحوار فى التعبير عن اليومى المُعاش :
شرب الكوب , أدخل يده فى جيب بنطاله , أخرج ماوجده , وضعه على الطاولة , بيسألوا عليك فى البلاى استيشن , صوت النادل وهو يشير إلى محل ألعاب الفيديو على مقربة من القهوة , يومىء برأسه رايح رايح , يفتح باب مكان معتم وموسيقى جهورية كلمات قوية لكنها لم تقل شيئا .. أى شىء !
إيه ياعم فينك ؟
يسترخى على كرسى ولايرد , عايز عدة نيفة صح مش مضروبة , ينظر له صاحب المكان : معاك كام ؟ , معايا حاجة كويسة ! , أيوة اللى هى كام يعنى ؟ ص52
وهنا تنجح لغة الحوار ولهجته فى التعبير عن دواخل الشخصيات بحيوية فقد جسدت الشخصيات التى تكلمت فعرفنا من هم .
وتأتى خاتمة القصة لتتوج كشف اللغة ووضوح الرؤية " دماغك لم تعد دماغك تستعيدها بشرائط الأقراص أما الآن فهى تلك التى مضطر على أن تكون دماغك " ( مونولوج داخلى ).
لغة الفعل :
" ارتشف عتمة القهوة على ثلاث , ضبابية تنقشع تدريجيا , جسد يسير بثقله يعرفه , رأس تحتمى بسقف الغرفة , جسد ينكمش على الفراش فى وضعية جنين " ( ارتشف , يسير , ينكمش ) تمهيد لنسف فكرة العملاق الزائف عن نفسه بشفرة  كلمتين :" وضعية الجنين " :
" كل الأشياء عادت لضخامتها باستثنائه هو , عاد لضآلته المعتادة والدائمة " .
معنى إنسانى وراء شهوة الحس :
وفى أكثر من قصة تنتهج الساردة الكشف عن حديث ذوات أبطالها وبطلاتها عن أنفسهم فترفع الغطاء عن هشاشة الداخل , الحيرة بين الرغبة المتجددة الشهوة , والرغبة فى البحث عن قيمة ما تختفى وراء شهوات الحس ويبدو ذلك فى قصتين هما قصة " ملو الهدوم " وقصة "نسيج " فتجتلى فى الأولى علاقة حسية بين زوجين وفى الثانية هواجس حسية بين غريبين رجل وفتاة جمعهما ضيق المكان فى مقعد بالميكروباص .
وتعتمد الساردة فى القصتين على البوح الصريح فى القصة الأولى وعلى إبراز الحديث الداخلى للشخصيات
فى القصة الثانية , وتناسبت اللغة مع المواقف المختلفة فهى لغة جريئة بين زوجين , ولغة المونولوج الداخلى أو حديث الذات بين غريبين .
تتحدث الزوجة فى قصة " ملو الهدوم " فتكشف الساردة عن زيف مابحثت عنه الزوجة بطلاقها وزواجها من آخر : " تربت الزوجة على الجسد الممدد بعادية الطقس المعيشى وتهدلا بدأ يستشرى على أعضائه , يتمدد جسد الزوجة بصمت وقد توقف منذ وقت عن تفاصيله المستقلة "
وتجلو لغة الزوج المهجور ألمه وتفصح عن ماافتقد من زوجته بعد انفصالهما – رغم تعدد علاقاته الحسية –
" لم يكن معها يبتلع أقراص البهجة المؤقتة , ولم تكن بهجته مؤقتة , ديمومة الاشتعال دون تفحم " .
وهنا يتم التركيز على ماوراء شهوة الحس , البحث عن الدائم , عن قيمة ما قد يكتب لها الاستمرار فى خضم هشاشة الرغبات , واشتعالات الحس , وهو ماعبرت عنه لغة صريحة وواضحة , نجد عكسها فى قصة " نسيج " فهى لغة ظاهر وباطن , لغة من يريد ويبدى عكس مايبطن , حيث شعور الحس يقفز بين الكلمات المتحفظة وهو يضج بالرغبة فى صمت وفى أشكال مختلفة من البوح الداخلى ( المونولوج ) .
حديث نفسه :
" يخفن على أجسادهن فليجلسن فى بيوتهن , نعم لايخرجن لكن أن يخرجن ويطالبن الرجال أيضا أن يتحركوا وفق خريطة .. بالطبع لا 
استدارة الفخذ وبروز النهد بدون كل هذه الأنسجة ! "
يستطرد فى افتراضاته وشهوته المستترة 
حديث نفسها :
" أرخت حقيبتها القماشية نعم المتهالكة ذات الخطوط الرفيعة الحمراء إلى جوارها , ليس لديها أى دليل أنه لامسها أوحتى حاول فهاهو بمجرد نزول الرجل ترك لها مساحة براح كبيرة استطاعت أن ترخى حقيبتها , تفك ضمة ساقيها " ص72 .
وهنا تبرز اللغة كوعاء اجتماعى فى التعبير عن أوضاع اجتماعية فلغة المرأة الزوجة فى القصة الأولى اتسمت بالجرأة : "تصارحا منذ البدء إننا معا لأننا يرغب كلانا فى الآخر واحنا مش محتاجين نحوَر على بعض ! , وهو رجل اختارته فهى من اختارت أن تمنحه إياها وهو يقابلها نفس المنح , فى الفرشةهى أنثى لن تحشر شهوتها فى خانات جبر الخواطر واعملى مبسوطة " . ص58
بينما اتسمت اللغة التى استخدمتها فى وصف موقف الفتاة مع  الغريب لغة خجلة متحفظة فى قصة " نسيج "مع أن القصة حافلة بشهوة الحس التى تصاعدت رويدا رويدا حتى امتلأت بها مساحة الميكروباص الممنوحة لهما لقاء تذكرتين ! .
" حتى إن حاولت ضم ساقيها .. الالتصاق بالشباك , نسيج الجيب المرتخى على الجسد / الفخذ, نسيج البنطال – لامكان لنسيج الحقيبة – سيحدث التلامس , ألصقت ساقيها .. جسدها ظهر ذراعه لو تحرك قليلا , قليلا جدا ستلامس هذه الذراع نسيج بروز قميصها حتى لو على افتراض حدوث ذلك لأنه من مقتضيات الحشر الميكروباصى " ص 66 .
لغة شاعرية :
وتبحر الساردة فى العوالم الداخلية لشخصياتها فهى تتصورأن المرء لايحتاج لغرفة تخصه وحده كما ترى فرجينيا وولف ولكنها تريد كوكبا يخص المرء وحده فى قصة تحمل هذا الاسم , وتصف فى صور قلمية ذات لغة معبرة عدة كواكب تحتاجها بطلتها : كوكب خشبى وكوكب صخرى وكوكب زيتى وآخر ورقى وهى تصف فى كل مرة جانبا من جوانب الشخصية الرئيسة فى القصة فهى فى عزلتها قد اختارت كواكبها المختلفة فبطلتها فنانة ترسم على كوكب ورقى بالألوان كل ماترغب وترسم على الكوكب الصخرى بأناملها وأزميلها ماتود أن تنحته ثم تخرج من صندوقها المزركش قطعة من المخمل الأزرق الدافىء قطعة لاتخرجها إلا بعد الاكتمال .. تمسد الحجر الصخرى برفق يلتمع تلتمع روحها تتنهد ويكتفى الجسد الصخرى بما لديه من ضى روحها . ص88
كانت كل الكواكب التىاصطنعتها " تتزامن وعزلتها الدافئة بعد ذوبان صقيع البياض , جدران الغرفة , نافذة واحدة تواريها ستارة بلون الخوخ و نفس يدور بالغرفة لرائحة احتراق خشب عطرى يحوط غرفتها كرقية ضد التيبس .. الفراغ .. الصقيع ."
وهنا تستخدم القاصة لغة شاعرية شفافة وهى تصف ملامح العالم الداخلى والخارجى لفنانة .
نص ارتجالى :
وتستخدم الساردة فى هذه القصة لغة ساخرة فيها طعم المرارة وهى تصف عالم بطل القصة وإحساسه بمهنته كمندوب تأمين على الحياة , كل مهمته أن يلعب على أوتار مخاوف عملائه : " مهمتك كمسوق لبرامج الشركة أن تبيع للعملاء مخاوفهم " يلقى على مسامع العملاء مايجب أن يدور فى فلك هذا السياق .. بكرة مش أحلى ولاحاجة " 
يبطن النسيج لغة تثير الشك باليقين فالحياة حافلة بالمآسى والموت هو الحقيقة المؤكدة فتكون اللغة تلغرافية حينا " عزيزى العميل نم هادئا , إنه فى حالة عدم استيقاظك فى الصباح أوعدم وصولك إلى عملك أو عدم رجوعك إلى بيتك , عائلتك ستكون بخير , مسلحة بكل الخطط المضادة التى وفرتها شركتنا "
لكن هذه اللغة المستخدمة تمس المندوب نفسه فتحدث فى نفسه أثرا لايمحى من الخوف من المستقبل ومن الغد الذى أصبح بفعل استخدام اللغة التكرارية قاسيا بل فادح الوحشية فينتقل سياق الناس إلى تطور نوعى آخر لالكسب عملاء جدد فقط ولكن بالتأثير على مرسل الرسالة ( خطاب المخاوف) فتؤثر التغذية المرجعية على الذات , وتصبح لغة التهديد بقسوة الغد هى هاجس المندوب نفسه فترسم اللغة الموقف الأخير ,  وتضع النهاية لسيناريو تتوالد فيه الكلمات عن القسوة والفداحة ووحشة الأيام والمخاوف التى تتكاثر وتتراكم لغة فتتحول فى لحظة إلى فعل ربما يكون فعل مقاومة أو فعل أسى ومرارة , نهاية مفتوحة ترسم خارطة لغوية لشقاء الإنسان أو لنجاته معتمدة فى المقام الأول على لغة الخطاب والحكى والسرد مع الذات ومع الآخرين 
" الصباح يؤرخ صفحة فى تاريخه الشخصى , حلته كاملة , يصل إلى مقر مكتبه " ( لغة تلغرافية ) .
"المدير جه ؟ 
أيوة جه 
يدخل يجلس ويطفىء سيجارته
المدير " صباح الخير يامعلم عملت إيه مع زبون امبارح ؟
يرد " إدانى ميعاد على بكرة بالليل , المهم عايزك فى موضوع "
خير
أنا عايز أعمل وثيقة تأمين على حياتى .
نص ارتجالى المجموعة القصصية لقسمة كاتول تثير كل هذه التساؤلات المهمة عن لغة السرد , ماهيتها , طرقها , نجاحها أو إخفاقها فى التعبير عن الشخصيات وتطور البناء الفنى , وفى كتابة النص سواء كان ارتجاليا أو عن قصد , هو فى الحالتين يحتاج إلى لغة فنية توحى وتشف وتصف , تحنو وتقسو , وتأسى وتفرح , وتكاد من بلاغة الصمت أن تتكلم وتفصح .







الأربعاء، 27 مايو، 2015

الخميس، 27 يونيو، 2013

أنا أنثى إذن أنا أفكر



الصفحة الرئيسية


أنا أنثى إذن أنا أفكر

تاريخ النشر : 30 January 2013 - 2:22pm | تقرير: (RNW)
مفردات البحث
رأي: قسمة كاتول
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جميلة هي الأنثى في بلادي حين تنصت.
 رائعة حين تبكي.. شهية جدا حين تضحك 
لكنها "خطئية" حين تبوح أو تفكر .. 
"انتن قاصرات عقل ".
"سيبك من كلام النسوان دا"
"اهو بقا هيقعدوا يصدعونا بالكلام الفاضي بتاع حقوق المرأة ومش عارف أيه."
سبق وأن قلت إن الأنثى تحمل وزر جسدها الذى خلق فى هيئة أنثوية لا دخل لها في ذلك، وزر أن كان جسدها لا يناسب نمط الجمال لمجتمعها او ثقافتها، وزر ان كان جسدها ذاته جميلا وهى تعرف ذلك.


ولكن كل هذه القائمة من الأوزار تنحى جانبا حين تستخدم الانثى عقلها، حين تفكر، حين تتخلى عن مكانها كمجرد اداة بهجة "مريحة" ، وتقرر أنها تملك عقلا يجب استخدامه "يانهار اسود "...هنا يخلع عنها كل الصفات الأنثوية التي هي أصلا ليست منحة من احد، يتم التعامل معها على أنها "رجس من عمل الشيطان" لأنهم يرون المرأة خلقت لتطيع... خلقت لتريح ...خلقت لتبهج.. لكن: خلقت لتفكر ..... أكيد لا... حالة من السخرية حين تجد أنثى تتكلم عن أفكارها بطلاقة وبصدق وبوعي

"جميلة هي الأنثى حين تكون غبية" هذا هو شعار بلادنا.
مجتمعاتنا يسوؤها أن تكون نسبة أمية نسائها عالية، وذلك ليس حرصا على تثقيف المرأة لأنها أعمدة المجتمع، بل لأن "البرستيج" العالمي لا يمنح دولة مصطلح مجتمع متحضر إلا بارتفاع نسبة التعليم لفئة المرأة.
لذا تنفق الدول التي تركض "بعز قوتها" للحاق بأذيال مجتمعات خاضت شوطا هاماً في تنمية المرأة بل تجذير حقوقها في مجتمعها.. لكن ببلادنا؛ تكون هذا مجرد واجهة اجتماعية، ويُقدر إن تعيش لأنثى في مجتمع يضع في حساب الرجل الذكوري، رصيدا ضخماً من الحجج، والتغاضي عن كل الحماقات، بل والتأليه أحيانا حين يفكر، لكن الأنثى تقابل بحالة من التوجس، الحذر، الحيطة حين تفكر.

مجتمعي في الجنوب - جنوب مصر - يعانى من تهميش ، أحيانا إقصاء ، وأخرى يكون التعامل معه بسخرية المتفوق الحضاري، فلا يجد؛ مجتمعي حينئذ ، سوى المرأة حتى يصب فوقها كل ما يعانيه من عقد. وما قلته ليس ذريعة لتعيش المرأة في 
"دور الضحية"......وتحاول كسب حالات تعاطف. أدرك بعمق أن المساحة التي تتحرك فيها الأنثى في بلادي مساحة "مخنوقة."
 لكنها موجودة، موجودة للتحرك بحذر لتتحرك بحرص، لكنها يجب أن تتحرك لأنها وان كان جسدها مقيدا بالتحرك في مساحة جغرافية ضيقة، فإن عقلها يستطيع أن يجوب العالم كله .. ينهل من كل عوالمه ومعارفه وثقافاته.
هي فقط تأخذ القرار بالتفكير، تأخذ القرار بالتحرك باتجاه ما ترغب وتحب ان تعمله عليها، حتى وأنت كانت مثلي تجلس على سريرها وتفتح حاسوبها، وتطل على العالم بضغط زر، فتأتيها كل العلوم والمعارف الخاصة بشيء قررت التقدم في السير في مضماره، هو الكتابة. لذا أقول لنفسي دوما "أنا اثني أذن أنا أفكر".


• قسمة كاتول – كاتبة من مصر (أسوان)


أجساد مُنعت من الاحتفال



صورة اذاعة هولندا العالمية
Map
Aswan, Egypt
Aswan, Egypt 
ـــــــــــــــ

أجساد مُنعت من الاحتفال

ــــــــــــــــــــــــــ

تاريخ النشر : 6 August 2010 - 8:33pm | تقرير: إذاعة هولندا العالمية (flicker)
مفردات البحث
عمود: قسمة كاتول* 
حين تعلمت الاحتفال بالجسد، استطعت أن أجد لنفسي منفذا للتواجد بعيدا عن تقسيمات للون أو طول أو شكل (ما) وفقا مقاييس ذكورية قامعة للكثير من الأجساد التي باتت تخاف الاحتفال.
سنوات ما قبل المعرفة أو ما قبل الاحتفال كان جسدي عبئا عليّ احمله معي أينما اذهب.. جسدي هو إرث، ينتمي إلى جذوري السوداء وتضرب في أعماق قارة المعاناة.. امتدت معاناتي هذه طوال سنوات مراهقتي وما بعدها حتى سنوات ما قبل الاحتفال.. كنت انظر إلى مرآتي لأجدني أنثى افريقية لا تمت بصلة لآلهة الجمال الأبيض. الأفريقية التي هي انا، عليها أن تقاسم قارتها قمعا وخوفا وتهميشا وصل لحد التغييب.
فكنت (أنا) المغيبة. كرهت جسدي، وبالمقابل بادلني الكراهية، حاولت تجاهله.. إبقاءه بعيداً لأواصل حياتي. لكن من وقت لآخر ينغص علي لحظات افتراضية بالتواجد فأرتد إليه مرة أخرى، وهذا الارتداد المستمر إلى جسد مقموع صنع لدي شعوراً تراكمياً بالضآلة الشديدة.
(كيف سأواجه قاعدة من الذوق الجمعي وأنا بهذا الجسد؟).
فأنا في النهاية أنثى على أي شكل كانت هيئتى؛ أحتاج لكلمات إطراء ولو افتراضية. حاولت التملص و التنكر للون والطول والجذور، بوسائل تعلمتها، علمتها لي من هن يشاركنني نفس التركبية الجسدية واللونية لمسايرة الركب وملاءمة كذبة اسمها (الذوق العام). في أحيان قليلة تجدي نفعا. لكن حين نصبح أنا وجسدي بمفردنا ندرك أن كلانا يكره الآخر. جسدي يرفض ويقاوم بشدة فكرة مسايرة الركب وطمس هويته وأنا ارفض انتمائي له وارفض هويته الجسدية هذه.

 وفي نهاية الأمر عرفنا كلانا أنه ليس هناك بد من معايشة كل منا للآخر.
كنت أخاف نزع ملابسي أمام المرآة لأطالع جسدا أعانى منه. أخاف أن ترى صديقاتي خصلاتي الخشنة، أقيدها داخل رابطة قماشية حتى وأنا داخل منزلي.. بحجة أنني أحافظ عليه من الأتربة وغبار التنظيف.
اختفى وجهي وجسدي وقت خروجي من البيت، خلف ألوان اصطناعية تفتّح اللون وتخفي العيوب، اطمس هوية وارث جسدى يطبق على أنفاسي.. هوية جسدية أحاول سحقها بكل قوة، في اغلب الأحيان تنتصر تلك الهوية لنفسها واقف أمامها.. ليس أمامي سوى الابتعاد عن مسايرة الركب.
وجدتني لست وحدي ممن تعاني من ارث جسدي بل كثيرات غيري، أجساد أخرى مُنعت من الاحتفال، من البهجة بحجة أنها لا تتناسب مع مقاييس قامعة.
أخيرا.. قررت البحث عن ذاتي، وحل مشاكلي مع ارثي، كان بحثا مضنيا، اكتشفت من خلاله سخفا وزيفا، اكتشفت أن البهجة والاحتفال فقط لأولئك اللاتي تطابقن مع المواصفات الكمية... هي مهينة إلى أقصى حد! أن أقوم بإخفاء لون بشرتي او قصر قامتي أشعرني بخزي شديد من نفسي؛ أن اطمس هويتي الجسدية هي كارثة حقيقية لأنثى- مثقفة - من المفترض أنها على وعى حقيقي بجذورها. حاولت تجاوز كل هذا، أو بالمعنى الأصح واجهته بشفافية كبيرة، لم اصدق نفسي أنني أفعلها!
(أنا) تعودتُ على التخفي والكذب وتجنب حقائق دامغة، بل مع سابق الإصرار والتعمد. قرأت.. تعلمت.. واجهت نفسي بذاتها (الجديدة ـ القديمة).

استطعنا أن نصل معا إلى نقطة ما من التواصل.. ليس تواصلا تاما لكنه نقطة لا بأس بها. نقطة جعلتني أفكر بعمق في من تكون (أنا ) الحقيقية: هل (أنا) التي تحاول مسايرة الركب.. أما (أنا ) الواعية القوية والمحتفية بجذورها ولونها وطولها وشكلها. اكتشفت ـ للأسف ـ أن (أنا) الحقيقية هي الأنا الواعية.. لأني دوما أرى أن المعرفة عبء على العارف! عرفت أن (أنا ) الحقيقية هي التي تسبب لي الإرهاق، لأنها تحتاج للكثير حتى تقوى وتظهر لكي أتواصل معها، لذا بذلت كل ما صح لي أن افعله؛ لترى هذه (الأنا) النور مع محاولة التخلص التدريجي من (الأنا) المسايرة.
"كم هو متعب، أن تكون نفسك.. بل مضنٍ." أقول لنفسي.. "كنت مرتاحة حين سايرت الركب."

مارست طقوس (أنا) حقيقية تحتفي بذاتها، تحتفل بجسدها، تفخر بهويتها، لم تكن قصتي مع جسدي مثل القصص التي تنتهي بان ينتصر الخير على الشر "وتوتة وتوتة فرغت الحدوتة."
قصتى لم تنته ولن تنتهي، لأن الاحتفال ليس النهاية بل هو بداية شعور الانتماء، والندية، التمرد.
الانتماء إلى أجسادنا هو ما يجعلنا كإناث نسير ونحن نحمل أجسادنا بفخر، فلم تعد تعنينا مقاييس أو مواصفات أو وسائل.. لأن علينا بالأساس أن ندرك امتلاكنا لذلك السحر الغامض داخل أجسادنا، أيا كان لونها أو قامتها أو شكلها. وهذا السحر، هو نقطة الضوء في أعماقنا السحيقة، والتي تخبرنا أننا سنرشف كل أنواع السعادة بأجساد ترفض المقاييس وخارجها.
أجساد ليست في حاجة للتعري أو التعديل أو الزيادة والنقصان، حتى تحصل على حياة حقيقية. وسنقدم لها صنوف الرعاية والتدليل دون أن نذلها أو نعدلها لأنها هي نحن، هي من تحمل ذواتنا الحقيقية بعيدا عن مسابقة ملكات الجمال والأغاني المصورة وإعلانات إنقاص الوزن.
قسمة كاتول: كاتبة مصرية مقيمة في أسوان.

الجمعة، 17 مايو، 2013

" أحاديثنا الصامتة"



" أحاديثنا الصامتة"
الرغبة... الالتحام ....الولوج
جسدي الممتد تحته،أنفاسنا تتمازج..حارة متدفقة، نصل معا إلى قمة هرم  ارتقائنا الحميم..أحاديثنا الصامتة، تلك اللحظة التى تدور فى فلك زمنى لا يتعدى الدقائق العشر.. أقف تحت الماء يندفع بقوة فوق جسدى ، لتزول الرغبة وأزيل كل بقاياه العالقة فوق جسدى ،أرتدى ملابسى ،أصنع كوب الشاى ، يدخن سيجارته ،يخرج ويعود فى المساء ..أقوم بكل عاداتى اليومية ..أنظف المنزل .. اصنع الطعام  لأطفالي .. يستلقى فوق الاريكة احضر له الطعام  يتناوله بنهم ..يرتمى فوق سرير نومنا ، ما ان يضع رأسه فوق الوسادة حتى يسبح فى النوم وأنا لازلت يقظة،أحمل جهاز التحكم ، احاول ان اجد شيئا أعرفه أغلقت التلفاز، تمددت فوق الاريكة .
انظر حولى..اطفالى نائمون .. هو لا يشعر بشىء ،صوت (شخيره) اسمع وانا هنا . احاول ان اجد شيئا اخر غير لحظات الصمت التى سادت كل ما حولنا وبيننا
هو يخرج فى الصباح يعود فى المساء ..انا امارس كل
عاداتى اليومية منذ  مجىء طفلى الثالث  وانا لم انظر فى مرآتى ..لم أضع كريمى الليلي.. لم اصفف شعري إلا قليلا ،هو لم يعد يطلب ان أرتدى ألوانه،وأنا فقدت الوانا  كنت احبها، حتى  عطوره التى كان يهدينى  لم أعد انثرها فوقى.. و هداياه توقفت منذ زمن..أحاديثنا كلمات جافة ، اسئلة قصيرة واجابات تامة الأحرف.. لم يعد يلملمنى  فى احضانه ، حين تتسلقه الرغبة ..لاشىء جديد بيننا  صباحات متشابهة ومساءات قصيرة تنتهى احيانا بلحظات لا تتعدى الدقائق العشر،نتشاطر الفراش ذاته ، ولكل منا واجهته،فقدت فى عينه ذاك الشوق الجارف  لحظة عودته .. فقدت شغفه الجارف لحظة التحامنا..فقط السكون فى كل اعضائه .. شفتيه .. عيناه .. يداه  باتت باردتين..افتقد الرعشة التى تنتاب كل جسدى حين كان ينثر قبلاته فوقى ..( انا أتاخرت قومى حضرى الفطار)
افتح عينى .. أقوم مفزوعة .. نمت فوق الاريكة
اغسل وجهى لأبدأ يوما آخر يشبه سابقيه..اقف بجانب حوض الاطباق ..اغسل بانهماك..بدت يدى جافتين، تركت الطبق من يدى ..غسلتهما من باقى الصابون .. اغلقت الصنبور .. تركت المطبخ،وفقت امام المرآة المعلقة فى احد جدارن الصالة
شعري مجعد .. باهت اللون .. جسدى منتفخ .. معدتى بارزة ووجهى مجهد لقد اهملت نفسى كثيرا ، لم لا اتقدم خطوة نحوها،بحثت عن منظف الوجه .. ها هو فوق احدى ارفف الحمام احضرت الكرسى  جلبته ،وهذا غسول شعرى ..مسحت من عليه الغبار.. وضعت ملابسى فى شماعة الحمام،صوت طفلي
" ماما انا جعان " اضع اشيائى   احضر طعامه .. ياتى الثانى متثاقل الخطوات " ما ما عملت حمام "..تنهدت  نظفته بدلت ملابسه ،صوت صراخ الرضيع أخرجت ثدي، تناوله ، امتصه بعمق، وضعت يدى  فوق رأسه
اتامله نام .............. سحبت ثدي من فمه .
لم اصنع الغداء بعد، عدت الى المطبخ ، رحت فى  ساعات من التقطيع والتقليب ومقاومة الملل صنعت الغداء، الساعة الخامسة ، انتظر ته ربما يعود مبكرا اليوم اطفالى جوعى" بابا اتاخر يلا ناكل احنا جوعنا "
تناولنا طعامنا ،أطفالي ذهبوا يلهون فى برامجهم الكرتونية..أنهيت طقوس ما بعد الغداء..حملت رضيعى ، يطالعنى مبتسما ، اكثرهم شبها بوالده  عيونه ، ابتسامته التى افتقدتها،  يعود  وقد انهينا كل مراسمنا أطفالي سبحوا فى النوم ، كلهم مثله ، ما ان يسلموا رؤوسهم للوسادة حتى يغوصوا فى نوم عميق..رضيعى  نام فوق ثدى ،وملابسي لازالت فوق شماعة الحمام..وضعته فى مهده..احضرت الطعام .. تناوله  ،  بذلت كل جهدى ليكون شهيا ،انهى طعامه صامتا ، ارتمى فوق فراشنا ..رقدت الى جواره ..ارتقانى .. جسدى صامت تحته ، لم تعد انفاسنا حارة،فقد  انتصابه قبل  الدقائق  العشر، سحبت جسدى متثاقلة اتجهت بوجهي للناحية الاخرى للفراش.
صراخ رضيع .. احمله من المهد .. اهدهده ، يعلو صراخه  اخرج ثدى  اضعه فى فمه يلفظه ، ينام فى حجرى دون ان يتناوله .